ابن كثير

22

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

« عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم بارك لي فيه ، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفني عنه ، واصرفه عني ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضني به » لفظ أحمد « 1 » ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي . وقوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : يعني يئسوا أن يراجعوا دينهم « 2 » ، وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان ، وعلى هذا المعنى يرد الحديث الثابت في الصحيح : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال « إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن بالتحريش بينهم » « 3 » ، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله ، ولهذا قال تعالى آمرا لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدا إلا اللّه ، فقال فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ أي لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم ، واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم ، وأظفركم بهم ، وأشف صدوركم منهم ، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة . وقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً هذه أكبر نعم اللّه تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم ، فلا يحتاجون إلى دين غيره ، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات اللّه وسلامه عليه ، ولهذا جعله اللّه تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن ، فلا حلال إلا ما أحله ، ولا حرام إلا ما حرمه ، ولا دين إلا ما شرعه ، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا [ الأنعام : 115 ] أي صدقا في الأخبار ، وعدلا في الأوامر والنواهي ، فلما أكمل لهم الدين ، تمت عليهم النعمة ، ولهذا قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً أي فارضوه أنتم لأنفسكم ، فإنه الدين الذي أحبه اللّه ورضيه ، وبعث به أفضل الرسل الكرام ، وأنزل به أشرف كتبه . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس « 4 » قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وهو الإسلام ، أخبر اللّه نبيه صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان ، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدا ، وقد

--> ( 1 ) مسند أحمد 3 / 344 . ( 2 ) في تفسير الطبري 4 / 418 من حديث علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : « يعني يئسوا أن ترجعوا إلى دينهم أبدا » . ( 3 ) صحيح مسلم ( منافقين حديث 5 ) . وقوله : « ولكن بالتحريش بينهم » يريد أن الشيطان لم ييأس من إغوائهم وحملهم على الفتن . ( 4 ) تفسير الطبري 4 / 419 .